جلال الدين السيوطي

255

الأشباه والنظائر في النحو

ثانيه في كبد السّماء ولم يكن * كاثنين ثان إذ هما في الغار قال الصّفدي : « قد غلط أبو تمّام في هذا التّركيب ، لأنّه إنّما يقال : ثاني اثنين ، وثالث ثلاثة ورابع أربعة ، ولا يقال : اثنين ثان ، ولا ثلاثة ثالث ، ولا أربعة رابع » . ولمّا وقف المملوك على هذا التّغليط استبعد وقوع مثله من أبي تمّام ، وخاض فكره في الجواب وعام . وخطر للمملوك أنّ المراد غير ما فهمه الصفدي ، وقصد عرض ذلك على من من علومه نقتبس وبكلامه نقتدي ، وهو أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا وتقليبا للتّركيب وتغييرا ، وهو أنّ التقدير : ولم يكن كاثنين إذ هما في الغار ثان وبذلك يدفع عن كلامه الغلط ويصان ، والمراد أنّه لم يكن كهذه القضية قضية أخرى . وكلام أبي تمّام بهذا المعنى أحرى ، وحصل هذا القلب مراعاة للقافية . ولا تسكن النّفوس لهذا الجواب إلّا بطبّكم منه الشفاء والعافية ، ولم يعرّج أبو تمّام على مراعاة الآية « 1 » حتّى ينسب كلامه إلى الغلط الواضح الأولي البداية . وإيضاحه أنّه لم يوجد كحال اثنين إذ هما في الغار حال ثان . والمسؤول إيضاح ما في هذا التّغليط والتصويب من المعاني أدام اللّه لكم المعالي وأجزل عليكم الفضل المتوالي . فكتب إليه البدر الكلستاني مجيبا ما نصه : أتتني أبيات تموج بلاغة * وفيها على بحر العلوم دلائل ونظّمها صدر الزّمان وعينه * جلال المعاني ، والمعالي جلائل هو الحبر تجل الحبر حاو وجيزه * بسيط المعاني للفضائل شامل إذا هزّ أقلام الفصاحة تنجلي * مسائل فيها من فنون مسائل ومالك فقه الشّافعيّ بأسره * أصولا فروعا واحد لا يشاكل ونادى له في كلّ ناد خصاله * ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل له المقول الوضّاح في كلّ معضل * وفضّاح نفس يوم تأتي تجادل أتاني ما أتحف به ملك البلاغة ومالك المعاني ، فأطربني بنسيج وحده وأغناني عن المثالث والمثاني ، أوفى اللّه كاسه ، وطيّب أنفاسه . أمّا الصّفديّ المغلّط فغالط في واضح ، واعتراضه فاضح ، وقد صفّد ناقص ذهنه عند الكلام في حلّ تركيب أستاذ الأدباء أبي تمّام ، حيث لم يفرّق بين : « كاثنين ثان » وبين « كثاني اثنين » . والفرق ظاهر عند سمع عار عن الآفة ، إذ الأوّل تركيب جملة ، والثاني تركيب إضافة ، وظهور

--> ( 1 ) يريد قوله تعالى في سورة التوبة الآية ( 41 ) إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ .